بقلم: د. عباس أبكر عباس
غالبًا ما نميل إلى التأكيد على أن أفكارنا وثقافاتنا وقيمنا لا تقل شأنًا عن أي شكل آخر من أشكال الفكر الإنساني. ومع ذلك، وأمام بعض الحقائق العلمية، يبرز سؤال جوهري: هل نحن مستعدون للاعتراف بقيمة المعرفة القائمة على الدليل؟
في أعمدة هذه الصحيفة (La Nation.Tchad)، كنا قد نشرنا بتاريخ 28 يوليو 2026م معلومات ذات طابع علمي تُعلن أنه في يوم 12 أغسطس 2026م ستشهد أجزاء من شمال إفريقيا وجنوب أوروبا (وخاصة إسبانيا وفرنسا) كسوفًا شمسيًا. هذه التوقعات ليست جديدة، بل تعود إلى عام 1999م، حين حدث كسوف شمسي آخر. وحتى اليوم، يعلن العلماء في هذا المجال عن كسوف جديد سيقع في 2 أغسطس 2027م القادم، وسيكون مرئيًا في مناطق قريبة من تلك المعنية بكسوف 2026م. بل إن كسوفًا آخر متوقعًا في عام 2081م في نفس النطاق الجغرافي.
ماذا يعني كل ذلك؟ ببساطة، أن العلم حقيقة قائمة بالنسبة لكل من لا يزال يشك فيه.
عندما يؤكد العلماء أن الأرض تدور، وأنها كروية، وأن كائنات عاشت قبل ملايين السنين، وأن “تومّاي » (منذ نحو 7 ملايين سنة) يُعد أحد أسلاف البشرية، فإنهم يستندون إلى أبحاث وأدلة ومناهج صارمة. كما يتحدثون عن تطور الإنسان، وعن عمر الأرض الذي يُقدّر بمليارات السنين، وحتى عن مستقبلها بعد مليارات السنين. ويتنبؤون أحيانًا، وفي مناطق معينة، بظواهر طبيعية مثل الثورات البركانية والزلازل، ويطوّرون نظريات في مجالات متعددة كالصحة البشرية والحيوانية والنباتية، والتاريخ، والجغرافيا، والبيئة.
وأمام هذه التقدمات، ينبغي للإنسان، الذي غالبًا ما يتمسك بتصورات موروثة قديمة، وأحيانًا قائمة على أساطير غير مثبتة، أن يتساءل: هل يجب أن نقبل العلم ونفهمه ونمنحه المكانة التي يستحقها في تفسير تطور العالم وظواهره؟
العلم يرافق الإنسانية في جميع جوانب الحياة: من أبسط العلاجات الطبية إلى أكثرها تعقيدًا، ومن الاكتشافات الأساسية إلى التقنيات الحديثة مثل الكربون 14 والأقمار الصناعية، والإنترنت، وتكنولوجيا المعلومات والاتصال، والذكاء الاصطناعي اليوم، وغدًا أنظمة أكثر تقدمًا. وهذه المسيرة تمتد عبر تاريخ طويل تميز بأسماء علمية بارزة مثل نيكولا كوبرنيك، وغاليليو غاليلي، وإسحاق نيوتن، وألبرت أينشتاين، وستيفن ويليام هوكينغ.
لكن ماذا عن الاتجاه المعاكس؟
عندما يُعلن عن كسوف شمسي أو قمري، نعرف مسبقًا ساعته ودقيقته بل وحتى ثانيته، ومدة حدوثه بدقة. في مثل هذه الظواهر، لا يوجد جدل ولا تشكيك ولا شك، لأنها تُرى بالعين. ومع ذلك، عندما يتحدث العلم عن أمور أخرى، كدوران الأرض، أو قدم البشرية، أو بعض الحقائق البيولوجية، يستمر البعض في إنكار هذه المعطيات العلمية.
هذه الاعتراضات تصدر أحيانًا عن أفراد، حتى من بين من يُعرّفون أنفسهم كمعلمين أو باحثين أو موجهين، متأثرين بنظريات مخالفة أو بأساطير أو بتقاليد غير موثقة. وهذا التباين يكشف صعوبة في تقبّل بعض الحقائق العلمية، رغم كثرة الأدلة.
ومن هنا، يصبح وعي الإنسان ضرورة ملحة. يجب على البشرية أن تتقدم نحو فهم أعمق للمعرفة، وأن تعترف بأن العلم موجود، وأنه جزء من حياتنا اليومية، وأنه حقيقة لا يمكن إنكارها.
ويبقى السؤال مطروحًا: هل من المنطقي اتباع تعاليم تُشكك في العلم، في حين أنه يثبت يومًا بعد يوم قدرته على تفسير الظواهر من حولنا والتنبؤ بها؟
العلم يتقدم، مدفوعًا بأولئك الذين يطورونه ويعزّزونه ويواكبونه. ولا يزال يكشف أسرار العالم منذ فجر التاريخ. ويبقى أن نرى: هل ستختار البشرية السير معه، أم ستظل متمسكة بتصورات ترفض التطور العلمي؟

